ابن إياس

146

نزهة الامم في العجائب والحكم

سوريد المقدم ذكره في [ ق 123 أ ] منامه كأن الأرض قد انقلبت بأهلها وكأن الناس قد هربوا على وجوههم وكأن الكواكب تتساقط ويصدم بعضها بعضا بأصوات هائلة فأغمه ذلك ولم يذكره لأحد وعلم أنه سيحدث في العالم أمر عظيم ثم رأى بعد ذلك بأيام كان الكواكب الثانية نزلت إلى الأرض في صور طيور بيض وكأنها تخطف الناس وتلقيهم بين جبلين عظيمين وكأن الجبلين قد انطبقا عليهم وكأن الكواكب النيرة مظلمة مكسوفة فانتبه وهو مذعورا من ذلك ، ودخل إلي هيكل الشمس وتضرع ومرغ خديه على التراب وبكى ، فلما أصبح جمع رؤساء الكهنة من جميع أعمال مصر وكانوا مائة وثلاثين كاهنا فخلا بهم وحكا لهم ما راءه أولا وآخرا ، فاؤلوه بأمر عظيم يحدث في العالم ، فقال له عظيم الكهان يقال له قليمون أن أحلام الملوك لا تجرى على محال لعظم أقدارهم وأنا أخبر الملك برؤيا رأيتها منذ سنة ولم أذكرها لأحد من الناس رأيت كأني قاعد مع الملك على وسط المنار الذي بأمسوس ، وكان الفلك قد انحط من موضعه حتى قارب روءسنا [ ق 123 ب ] وكأنه علينا كالقبة المحيطة بناء ، وكان الملك قد رفع يديه نحو السماء وكواكبها قد خالطتنا في صور شتى مختلفة الأشكال ، وكان الناس قد جعلوا إلى قصر الملك وهم يستعينون به ، وكان الملك رفع يديه حتى بلغنا رأسه وأمرني أن أفعل كما فعل ونحن على وجل شديد إذ رأينا موضعا قد انفتح وخرج منه نور مضى وطلعت علينا منه الشمس ركأننا استغيثنا بالشمس فخاطبتنا أن الفلك سيعود إلى موضعه فانبهت مرغوبا ثم نمت ، فرأيت كان مدينة امسوس قد انقلبت بأهلها والأصنام يهوى على روءسها ، وكان أناسا نزلوا من السماء بأيديهم مقامع من حديد يضربون بها الناس ، فقلت لهم ولم تفعلون بالناس كذا ، قالوا : لأنهم كفروا بالههم ، فقلت لهم وهل بقي لهم من ذلك خلاص . قالوا : نعم من أراد الخلاص فاليلحق بصاحب السفينة ثم انبهت مرغوبا فقال الملك خذوا الارتفاع من الكواكب وانظروا هل من حادث فبلغوا غايتهم في استقصاء ذلك وأخبروا بأمر الطوفان وبعده بالنار التي من برج الأسد تحرق العالم . قال [ ق 124 أ ] الملك انظروا هل يلحق هذه الآفة بلادنا . فقالوا له : نعم : يأتي الطوفان على أكثره ويلحقه خراب يقيم عدة سنين . قال : فانظروا هل تعود عامرا كما كان أو يبقى مغمورا بالماء دائما . قالوا : بل تعود البلاد كما كانت وتعمر . قال : ثم ماذا . قالوا يقصدها ملك يقتل أهلها ويغنم مالها . قال : ثم ماذا ؟ قالوا : يقصدها قوم مشوهون من ناحية النيل ويملكون أكثرها ، قال : ثم ماذا قالوا : ينقطع نيلها